ابن رشد
303
تهافت التهافت
المسألة الثانية ( من الطبيعات ) ( المسألة الثامنة عشر ) في تعجيزهم عن إقامة البرهان العقلي على أن النفس الإنساني جوهر روحاني قائم بنفسه لا يتحيز وليس بجسم ولا هو منطبع في الجسم ولا هو متصل بالبدن ولا هو منفصل عنه كما أن اللّه تعالى ليس خارج العالم ولا داخل العالم وكذلك الملائكة عندهم . والخوض في هذا يستدعي شرح مذهبهم في القوى الحيوانية والإنسانية . والقوى الحيوانية : تنقسم عندهم إلى قسمين : محركة ، ومدركة . والمدركة قسمان : ظاهرة ، وباطنة . والظاهرة هي الحواس الخمس وهي معان منطبعة في الأجسام أعني هذه القوى . وأما الباطنة فثلاث : إحداها : القوة الخيالية في مقدم الدماغ وراء القوة الباصرة وفيه تبقى صور الأشياء المرئية بعد تغميض العين بل ينطبع فيها ما تورده الحواس الخمس فتجتمع فيه ويسمى الحس المشترك لذلك ولولاه لكان من رأى العسل الأبيض ولم يدرك حلاوته إلا بالذوق ، فإذا رآه ثانيا لا يدرك حلاوته ما لم يذق كالمرة الأولى ، ولكن فيه معنى يحكم بأن هذا الأبيض هو الحلو فلا بدّ وأن يكون عنده حاكم قد اجتمع عنده الأمران أعني اللون والحلاوة حتى قضى عند وجود أحدهما بوجود الآخر . والثانية القوة الوهمية وهي التي تدرك المعاني وكأن القوة الأولى تدرك الصور والمراد بالصور ما لا بد لوجوده من مادة أي جسم والمراد بالمعاني ما لا يستدعي وجوده جسما ، ولكن قد يعرض له أن يكون في جسم كالعداوة والموافقة فإن الشاة تدرك من الذائب لونه وشكله وهيئته وذلك لا يكون إلا في جسم وتدرك أيضا كونه مخالفا لها ، وتدرك السخلة شكل الأم ولونها ، ثم تدرك موافقتها وملائمتها ولذلك تهرب من الذئب وتعدو خلف الأم والمخالفة والموافقة ليس من ضرورتها أن تكون في الأجسام - لا كاللون والشكل ولكن قد يعرض لها أن تكون في الأجسام - أيضا فكانت هذه القوة مباينة للقوة الثانية وهذا محله التجويف الأخير من الدماغ .